أرسطو
38
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
الطبيب الذي يعيد اليه الصحة بالحديد أو النار . ولا يعزب عن سقراط أن هذه المبادئ يبين عليها بادئ بدء أنها تصادم الرأي العام . وفي الحق أن من النادر في الواقع أن يوجد جناة يأتون ليسلموا أنفسهم إلى العدل الذي يقتص منهم ، ولكن قد يكون ذلك مما لا يعبأ به ، فإنه يلزم أن لا نهتم بما ستقوله عنا الغوغاء ، بل بما يقوله الذي يعرف العدل والظلم . وهذا القاضي الوحيد لأعمالنا إنما هو الحق ، إنما هو اللّه . فإذا جهد المذنب ، كما هي العادة ، ليخلص من العدل ، فإنما هو حقيق بأن يرثى له ، حيث يضيف إلى سيئته الأولى التي هي الجناية سيئة أخرى شرا منها ، وهي بقاء تلك السيئة من غير عقوبة تكفرها . لكن القلب المخلص المستقيم متى كسب الخطيئة بالمصادفة ، عجل إلى طلب العقوبة راغبا فيها ، لأنها هي التي تصلح بينه وبين نفسه وبين الفضيلة « 1 » . أنظر كيف يفهم تلميذ سقراط قانون الأخلاق ، فبعد أكثر من ألفي سنة وبين ما نحن فيه من أنوار المدنية ، ما ذا عسانا أن نزيد على هذه المبادئ الشريفة ؟ وما ذا قد يعلّمنا العلم ولم يكن ذلك الحكيم قد علّمنا إياه ؟ انما هم ينقلون الينا هذه التعاليم الربانية على ألف شكل ، ولكن ما ذا غيروا منها ؟ ليس لهم حلاوة قول أفلاطون ولكن هل جاءوا بسوى تكرير دروسه الخالدة ؟ كلا إنها من العظمة ومن الحق بحيث إن زعزعتها أو نقضها لا يكون الا هدما لعلم الأخلاق والفضيلة لا أقل . لكن ليطمئن ما بنا من ضعف ، فان أفلاطون أكثر اعتدالا من أن نخشى قسوته المتناهية ، وإنه لأحكم من أن يجاوز الحدود . لئن أفسح للواجب هذا الميدان الرحيب ، فلقد أعطى السعادة نصيبها ، بل اعطى اللذة حقها أيضا . ولم يشأ أن يحرم
--> ( 1 ) أفلاطون - غرغياس ص 257 و 281 و 284